هل يجب إلغاء حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن التابع للأمم ال
هل يجب إلغاء حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة؟
# المقدمة
منذ تأسيس الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، ظلَّ حق النقض (المعروف بـ"الفيتو") أحد أكثر أدوات مجلس الأمن جدلًا. هل يُعد هذا الحق ضمانة للسلم والاستقرار الدولي من خلال منح الدول الكبرى حرية التدخل لمنع القرارات المتعجلة أو المتحيزة؟ أم أنه أصبح أداة لتجميد الإرادة الجماعية، وفرض هيمنة سياسية باسم الشرعية الدولية؟ هذه هي الإشكالية التي تدور حولها مناظرتنا اليوم: هل يجب إلغاء حق النقض في مجلس الأمن؟
الفيتو ليس مجرد أداة دبلوماسية، بل هو قوة استثنائية تمنح الدولة الواحدة — من بين خمس دول دائمة العضوية (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، فرنسا، والمملكة المتحدة) — القدرة على إسقاط أي قرار، حتى لو كان مدعومًا بالإجماع من باقي أعضاء المجلس الـ15. ومع مرور الزمن، وتفاقم الأزمات الإنسانية والصراعات في سوريا، أوكرانيا، فلسطين، وغزة وغيرها، تصاعدت الأصوات المطالبة بإلغاء هذا الحق أو على الأقل تقييده، باعتباره عقبة أمام عدالة عالمية أكثر فعالية وحيادية.
لكن قبل الدخول في جوهر الجدل، لا بد من فهم طبيعة هذا الحق: كيف نشأ؟ لماذا تم إدخاله؟ وما المبررات التي لا تزال تُستند إليها للدفاع عنه حتى اليوم؟
## ما المقصود بحق النقض (الفيتو)؟
حق النقض، أو "الفيتو"، هو الصلاحية التي تمتلكها الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي برفض أي مشروع قرار، بغض النظر عن عدد الأصوات المؤيدة له. ويُعتبر هذا الحق استثناءً صريحًا لمبدأ المساواة بين الدول، إذ لا يملك الأعضاء غير الدائمين — ولا حتى الدول الأكثر سكانًا أو تأثيرًا مثل الهند أو ألمانيا أو جنوب إفريقيا — نفس هذه القوة.
نشأت فكرة الفيتو خلال مفاوضات مؤتمر سان فرانسيسكو عام 1945، عندما أصرّت القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية على ضمان عدم اتخاذ قرارات تضر بمصالحها الاستراتيجية. وكان الأساس الفلسفي آنذاك هو أن أي نظام أمني دولي لن يصمد دون موافقة القوى العظمى، لأنها الوحيدة القادرة على تنفيذ القرارات عسكريًا واقتصاديًا. لذلك، تم ربط شرعية مجلس الأمن بقبول هذه الدول به، مما جعل من الفيتو "ثمن الاستقرار".
لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل ما زالت هذه الحجة صالحة في عالم متعدد الأقطاب، تختلف فيه موازين القوى وتتضاعف فيه الأزمات الإنسانية؟ وهل يمكن اعتبار نظامًا يسمح لدولة واحدة بإحباط إرادة العالم كله نظامًا عادلًا وديمقراطيًا؟
هذه التساؤلات تضعنا أمام جدل عميق لا يقتصر على الجانب القانوني أو الدبلوماسي، بل يتعداه إلى أبعاد أخلاقية وسياسية تتعلق بطبيعة السلطة، والمسؤولية، ومدى استحقاق النظام الدولي للثقة في عصر العولمة.
# الحجة المؤيدة: يجب الإبقاء على حق النقض
رغم الانتقادات الشديدة التي يتعرض لها حق النقض، فإن العديد من الخبراء الدوليين، والدبلوماسيين، وحتى بعض الدول غير الدائمة العضوية، ما زالوا يعتبرون أن الفيتو ليس عيبًا في النظام، بل ضمانة لبقائه. فالحجة الأساسية هنا ليست فقط سياسية أو قانونية، بل استقرارية: بدون هذا الحق، قد ينهار مجلس الأمن نفسه كأداة فعّالة للحفاظ على السلم والأمن الدوليين.
## نية المستخدم تحدد الأثر
يمكن تشبيه حق النقض بأداة قوية مثل السكين: يمكن استخدامها لإنقاذ حياة (مثل فتح صندوق إسعافات أولية)، أو لإلحاق الضرر (مثل ارتكاب جريمة). لكن المشكلة لا تكمن في الأداة، بل في النية والظروف التي تُستخدم فيها. بالمثل، يُنظر إلى الفيتو باعتباره وسيلة دفاعية تُمنح للدول الكبرى لحماية مصالحها الحيوية، أو لمنع قرارات متسرعة قد تقود إلى تصعيد خطير.
مثلاً، عندما استخدمت روسيا الفيتو ضد قرار يدين عمليتها العسكرية في أوكرانيا، لم تفعل ذلك لأنها ترفض مبدأ السلام، بل لأنها تعتبر القرار متحيزًا ولا يأخذ بعين الاعتبار مواقفها الأمنية. ومن منظورها، فإن منع القرار كان وسيلة لتجنب تعميق الأزمة وفرض شروط سلام غير متوازنة. وبالتالي، يُنظر إلى الفيتو ليس كأداة عرقلة، بل كآلية لضبط التوازن.
## الحياد كمبدأ هندسي وأخلاقي
في تصميم المنظومة الدولية للأمم المتحدة، لم يكن الهدف إنشاء هيكل ديمقراطي بالمعنى الشعبي، بل نظامًا قادرًا على تنفيذ القرارات. وهنا تأتي أهمية الدول الخمس دائمة العضوية: فهي الدول الوحيدة التي تمتلك القوة العسكرية، والاقتصادية، والنفوذ الجيوسياسي لتنفيذ أي قرار دولي. فإذا تم اتخاذ قرار بوقف إطلاق النار في منطقة ما، ولكن إحدى هذه الدول الكبرى عارضته، فإن تنفيذ القرار سيكون مستحيلاً عمليًا.
لهذا، يرى المؤيدون أن منطق الفيتو ليس انعدامًا للعدالة، بل اعترافًا بالواقع. إن إعطاء هذه الدول حق النقض ليس امتيازًا تعسفيًا، بل نتيجة لمسؤولياتها العالمية. وعليه، فإن إلغاء الفيتو قد يؤدي إلى قرارات "رمزية" لا قيمة لها على الأرض، لأن الدول القادرة على التنفيذ ستختار تجاهلها.
## أمثلة تاريخية تدعم استمرارية الفيتو
على الرغم من استخدام الفيتو في حالات مثيرة للجدل، إلا أن له أيضًا أدوارًا إيجابية لم تحظَ بالاهتمام الكافي. فعلى سبيل المثال، خلال الحرب الباردة، استُخدم الفيتو مرارًا لتهدئة التوترات، حيث كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي يستخدمانه لمنع قرارات متشددة من الجانب الآخر، مما ساهم في تفادي مواجهات مباشرة قد تؤدي إلى حرب نووية.
كما أن الفيتو يُستخدم أحيانًا لدفع الحوار. فعندما تستخدم دولة ما الفيتو ضد مشروع قرار، فإن ذلك غالبًا ما يفتح الباب لمفاوضات جديدة، ويُجبر الأطراف على إعادة صياغة المقترح ليكون أكثر توازنًا. وهذا ما حدث في بعض القرارات المتعلقة بالشرق الأوسط، حيث أدّت اعتراضات متكررة إلى تعديلات جوهرية جعلت القرار أكثر قبولاً.
إذًا، الحجة المؤيدة لا تنكر وجود إساءة استخدام، لكنها تؤكد أن الحل ليس في إلغاء الأداة، بل في تحسين البيئة السياسية التي تُستخدم فيها. فكما لا نلغي القانون لأن بعض القضاة قد يفسرونه بشكل متحيز، لا ينبغي إلغاء الفيتو لأنه استُخدم لحماية مصالح سياسية. بدلاً من ذلك، يجب العمل على تعزيز الشفافية، وتوسيع دائرة التشاور، وربما حتى وضع قيود على استخدامه في الحالات الإنسانية الحرجة — دون التضحية بالاستقرار الوظيفي للمجلس.
# الحجة المعارضة: يجب إلغاء حق النقض
إذا كان الفيتو قد كان منطقيًا في عالم ما بعد الحرب، فإنه اليوم يُنظر إليه من قبل كثيرين كأداة عفا عليها الزمن، تُستخدم لحماية المصالح الوطنية على حساب العدالة الجماعية. فالنظام الدولي تغير، والعالم لم يعد ثنائي القطب، لكن حق النقض لا يزال في يد خمس دول فقط، معظمها لم تعد تمثل مركز الثقل العالمي.
## الفيتو كأداة هيمنة، وليس توازن
الادعاء بأن الفيتو يُستخدم للحفاظ على التوازن هو في كثير من الأحيان غطاء لأجندة سياسية. فالدول الكبرى لا تستخدم الفيتو بناءً على معايير موضوعية، بل بناءً على تحالفاتها. فاستخدام روسيا المتكرر للفيتو لحماية النظام السوري لا يمكن تبريره بـ"السيادة" فقط، بل هو دليل على استخدام القوة السياسية لإنقاذ حليف استراتيجي.
بنفس الطريقة، استخدام الولايات المتحدة الأمريكية للفيتو لحماية إسرائيل، رغم قرارات استيطانية واضحة تنتهك القانون الدولي، يُظهر أن هذا الحق لا يُدار وفق مبدأ العدالة، بل وفق مبدأ الولاء السياسي.
## تناقض بين الشكل والمضمون
رسميًا، يُنظر إلى الدول الخمس كـ"مساوية" في حق النقض. لكن في الواقع، فإن تأثير كل دولة يختلف تمامًا. ففيتو الصين له وزن مختلف عن فيتو فرنسا، ليس بسبب القاعدة القانونية، بل بسبب القوة الاقتصادية والعسكرية والنفوذ الجيوسياسي.
علاوة على ذلك، فإن هذه الدول الخمس تمثل أقل من 30% من سكان العالم، وتنتمي جميعها إلى نصف الكرة الشمالي، ولا يوجد بينها أي دولة من أفريقيا، أمريكا اللاتينية، أو جنوب آسيا، رغم أن هذه المناطق تشهد معظم الصراعات العالمية.
كيف يمكن لمؤسسة تدّعي التمثيل العالمي أن تبني قراراتها على إرادة أقلية جغرافية وتاريخية؟
## الفيتو يُعطل العدالة الإنسانية
في لحظات الأزمات الإنسانية الكبرى، يصبح الفيتو عقبة أمام أي استجابة فورية. فبينما تُقتل المئات في مدينة، يحتاج المجلس إلى 9 أصوات مؤيدة وغياب فيتو لاتخاذ قرار بسيط كفتح ممر إنساني. وفي كثير من الأحيان، تُستخدم هذه الآلية لإجهاض أي تحرك إنساني.
مثال ذلك واضح في سوريا، حيث منعت عشرات القرارات الإنسائية بسبب الفيتو الروسي. كل فيتو كان يعني أيامًا إضافية من الحصار، ونقصًا في الغذاء والدواء، ومقابر جماعية جديدة. هل يمكن تبرير هذا باسم "الاستقرار"؟
الفيتو، في هذه الحالات، لا يمنع الحرب، بل يُشرعن الجريمة.
# تحليل نقدي: أين تكمن الحقيقة؟
حين ننظر إلى حق النقض، لا يمكننا الاكتفاء بالقول: "إما أن يكون عادلاً وإما أن يكون ظالماً"، أو "إما أن يُلغى أو يُبقي عليه". فالحقيقة ليست في طرفَي النقيض، بل في المساحات الرمادية بينهما — تلك التي تختبر فههمنا للعدالة، والاستقرار، وطبيعة السلطة نفسها.
## الحياد النسبي مقابل الحياد المطلق
غالبًا ما نسمع أن "الفِيتو أداة محايدة"، لأن القانون يمنحه بالتساوي للدول الخمس الدائمة. من حيث الشكل، هذا صحيح: كل من واشنطن وموسكو وبكين ولندن وباريس تملك نفس الحق. لكن من حيث الجوهر؟ هنا تنهار فكرة "الحياد المطلق".
تخيل أن خمسة أشخاص في غرفة يتخذون قرارًا بالإجماع، لكن أحدهم يحمل زرًا يوقف القرار بمفرده. حتى لو كان الزر متاحًا للجميع، فإن وجوده يغيّر ديناميكية القوة. من يملك النفوذ الأكبر؟ من يعرف أن باقي الأعضاء سيحسبون له ألف حساب قبل طرح أي مشروع؟
الفيتو، إذًا، ليس محايدًا في الأثر، حتى لو بدا محايدًا في الشكل. وهو يشبه ذلك المبدأ القانوني: "المساواة في القانون لا تعني المساواة في الواقع". فالدول الخمس ليست متساوية في وزنها التاريخي، أو شبكات تحالفاتها، أو قدرتها على فرض العزلة الدبلوماسية. وبالتالي، فإن "الحياد النسبي" هو ما ينبغي أن نتحدث عنه: الفيتو قد يكون مقبولًا كآلية توازن في بعض السياقات، لكنه يتحول إلى أداة هيمنة حين يستخدم بشكل متكرر لحماية مصالح استراتيجية على حساب مبادئ إنسانية.
## دور السياق الثقافي والسياسي
السؤال الأهم ليس فقط "هل يوجد فيتو؟"، بل "متى وكيف يُستخدم؟". فاستخدام الفيتو لمنع قرار عسكري متهور قد يكون حكمة دبلوماسية، أما استخدامه لعرقلة قرار يدين مجزرة في مدينة مدنية، فهو أمر آخر تمامًا.
خذ المثال السوري: خلال سنوات الحرب، استخدمت روسيا والصين الفيتو أكثر من عشر مرات لمنع قرارات تدين النظام أو تدعو إلى تدخل إنساني. وفي كل مرة، كانت الحجة: "الحفاظ على السيادة"، و"تجنّب التدخل الخارجي". لكن في المقابل، كان هناك مئات الآلاف من الضحايا، وملايين النازحين. هل يمكن اعتبار هذا الاستخدام "محايدًا"؟ بالطبع لا. إنه انعكاس لتحالفات جيوسياسية، ورؤية عالمية ترى في الدولة المركزية خطًّا أحمر، بغض النظر عن سلوكها.
أما في حالات أخرى، كاستخدام الولايات المتحدة للفيتو ضد قرارات تنتقد إسرائيل، فإن السياق مختلف. هنا، لا يتعلق الأمر فقط بالسياسة الخارجية، بل بعلاقات تاريخية، وأمن إقليمي، وحسابات انتخابية داخلية. أي أن "الفيتو" لا يعمل في فراغ، بل يُستَخدم عبر عدسة سياسية، أيديولوجية، وثقافية.
هذا يعني أن الحكم على الفيتو لا يمكن أن يكون مجرد تقييم قانوني، بل يجب أن يكون تقييمًا سياقيًا. فما قد يبدو "دفاعًا عن الاستقرار" من وجهة نظر دولة ما، قد يبدو "تواطؤًا مع الظلم" من وجهة نظر ضحايا الصراع.
## المسؤولية الجماعية في عصر الفيتو
ربما السؤال الأصعب ليس: "هل يجب إلغاء الفيتو؟"، بل: "من يتحمل مسؤولية فشله؟"
هل نلوم الدول الكبرى لأنها تستخدم حقها القانوني، حتى لو كان ذلك على حساب الإنسانية؟
أم نلوم الدول الصغيرة لأنها لا تستطيع فرض إرادة جماعية؟
أم نلوم النظام نفسه لأنه بُني على تناقض: يريد أن يكون عالميًا في التمثيل، لكنه يعتمد على هيمنة خمس دول؟
الحقيقة أن المسؤولية مشتركة. الدول الدائمة العضوية تتحمل وزر الإساءة المتكررة لحق النقض. لكن المجتمع الدولي بأكمله يتحمل مسؤولية السكوت. فمنذ 1945، لم يحدث تغيير جوهري في هيكل مجلس الأمن، رغم تغير العالم تمامًا: انهار الاتحاد السوفيتي، صعدت دول آسيوية وإفريقية، وظهرت تهديدات جديدة كالتغير المناخي والإرهاب العابر للحدود — ومع ذلك، لا تزال الدول الخمس تملك نفس القوة.
والأهم: لماذا لم تتحرك الجمعية العامة بقوة أكبر؟ لماذا لم تُبنى آليات بديلة؟ لأن إلغاء الفيتو ليس فقط مسألة قرار داخلي في الأمم المتحدة، بل مسألة إرادة سياسية عالمية. والمشكلة أن هذه الإرادة تنعدم كلما دخلت المصالح الوطنية في الخط.
ربما الحل لا يكمن في الإلغاء الفوري — فقد يؤدي ذلك إلى مقاطعة الدول الكبرى وانهيار المنظومة — بل في بناء ضغط جماعي نحو إصلاح تدريجي: تقييد الفيتو في الحالات الإنسانية، أو رفع قراراته إلى الجمعية العامة للتصويت، أو توسيع العضوية الدائمة لتشمل دولًا تمثل أفريقيا، أمريكا اللاتينية، وجنوب آسيا.
لكن قبل أي إصلاح، يجب أن نعترف بشيء واحد: الفيتو ليس مجرد أداة قانونية. إنه مرآة تعكس كيف ننظم عالمنا: هل نبنيه على القوة، أم على العدالة؟ وهل نقبل بالاستقرار على حساب الضمير، أم نجرؤ على إعادة تصميم نظام لا يعكس إلا عالمًا مضى؟
# دراسات حالة توضيحية
لنتأمل ثلاث أزمات دولية كبرى شكل فيها استخدام حق النقض نقطة تحول حاسمة: هل كان الفيتو أداة ضبط سياسي منعت تصعيدًا أكبر؟ أم كان ذريعة لحماية مصالح استراتيجية على حساب الدماء والأرواح؟ من خلال هذه الدراسات، نرى كيف أن "الحياد القانوني" للفيتو لا يعني بالضرورة "العدالة العملية".
## سوريا: عندما يُستخدم الفيتو لحماية حليف وليس لمنع الحرب
منذ بداية الثورة السورية عام 2011، أصبحت سوريا واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل في مجلس الأمن. عشرات المشاريع قُدمت لفرض وقف إطلاق النار، أو إحالة المسؤولين إلى المحكمة الجنائية الدولية، أو فتح ممرات إنسانية. لكن روسيا، الحليف الرئيسي للنظام السوري، استخدمت حق النقض أكثر من 15 مرة لتعطيل هذه القرارات.
الحجج الروسية كانت دائمًا تتذرع بـ"السيادة الوطنية" و"التدخل الخارجي"، وتصف بعض القرارات بأنها متحيزة أو تخدم أجندات غربية. لكن الواقع على الأرض كان مختلفًا: كل فيتو كان يعني تأخيرًا في المساعدات، وتجميدًا في المساءلة، واستمرارًا للقصف على المدن. وفي كثير من الأحيان، جاء استخدام الفيتو بعد أيام من مجازر موثقة بالصور والأدلة.
هل كان الفيتو هنا أداة محايدة تحمي النظام الدولي من تدخلات غير مشروعة؟ أم كان درعًا سياسيًا يستخدمه لاعب دولي لحماية نظامٍ متهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية؟ السياق يقول إن القرار لم يكن تقنيًا أو قانونيًا بقدر ما كان جزءًا من صراع نفوذ بين روسيا والغرب. وبالتالي، فإن "الحياد" في هذا السياق يبدو وكأنه ترف لا تستطيع الضحايا تحمله.
## أوكرانيا: الفيتو كأداة دفاع عن السيادة… أم كأداة تدمير لها؟
في فبراير 2022، وبعد بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، قدّمت الدول الغربية مشروع قرار في مجلس الأمن يدين روسيا ويطلب سحب قواتها فورًا. روسيا، بطبيعة الحال، استخدمت حق النقض لإسقاطه. النتيجة؟ القرار لم يُعتمد، لكن 14 دولة من أصل 15 أيدته، بما في ذلك الصين التي امتنعت عن التصويت.
ما كشفته هذه اللحظة هو تناقض صارخ: الفيتو، الذي نُظّر له كأداة لمنع الحرب، استُخدم هنا لحماية دولة تشن عدوانًا صريحًا على دولة ذات سيادة. وبدلًا من أن يكون " mechanism توازن"، أصبح سلاحًا دبلوماسيًا يُستخدم لشرعنة القوة.
لكن المفارقة الأكبر ظهرت بعد ذلك: المجتمع الدولي، رافضًا الانحناء لسلطة الفيتو، انتقل إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث تبنى قرار بغالبية ساحقة يدين روسيا. هذه الخطوة كشفت أن الفيتو لم يعد قادرًا على إخفاء الحقيقة أو شرعنة الانتهاكات، لكنه في الوقت نفسه أعاق أي استجابة فورية وعملية من المجلس المكلف أصلاً بحفظ السلام.
هل نستنتج من ذلك أن الفيتو فقد شرعيته؟ أم أنه فقط كشف عن هشاشة النظام عندما تتعارض مصالح الدولة العظمى مع المبادئ العالمية؟
## فلسطين: الفيتو كتقليد دبلوماسي يُجدد سنويًا
على مدى عقود، ظل ملف فلسطين عالقًا في شِباك مجلس الأمن، ليس بسبب غياب القرارات المقترحة، بل بسبب استخدام الولايات المتحدة الأمريكية لحق النقض مرارًا وتكرارًا ضد أي قرار يُدين الاحتلال الإسرائيلي أو يدعو للاعتراف بدولة فلسطين.
في إحدى الحالات الشهيرة عام 2017، نُدد بقرارات الاستيطان الإسرائيلية، وامتنعت أمريكا عن التصويت لأول مرة، مما سمح بتمرير القرار. لكن في مناسبات أخرى، استخدمت واشنطن الفيتو بشكل متكرر، معللة ذلك بـ"حماية حليف استراتيجي" و"دعم حل التفاوض الثنائي".
لكن ماذا يعني هذا أمام شعب يعيش تحت احتلال منذ 1967؟ بالنسبة لكثير من الدول، فإن استخدام الفيتو في قضية فلسطين لم يعد مسألة توازن دبلوماسي، بل شكلًا من أشكال الإفلات من العقاب. الفيتو هنا لا يمنع قرارًا متعجلًا، بل يُجمد العدالة نفسها.
الأهم من ذلك، أن هذه الحالات تُظهر أن الفيتو لا يُستخدم بناءً على مبدأ ثابت، بل حسب التحالفات، والمصالح، والسياقات السياسية. فهو لا يحمي النظام الدولي من الانهيار، بل يُظهر أن النظام نفسه قد يكون مبنيًا على تمييز ممنهج.
### ماذا نتعلم من هذه الحالات؟
ثلاث أزمات، ثلاثة سيناريوهات مختلفة، لكن الخيط المشترك واحد: الفيتو لا يُطبّق بشكل محايد، بل يُمارَس بانحياز سياسي واضح. سواء كان ذلك لحماية حليف، أو دعم عدو، أو تبرير عدوان، فإن الدولة التي تملك الحق تستخدمه لخدمة رؤيتها، وليس لمصلحة البشرية.
لكن في المقابل، هل الحل هو الإلغاء الفوري؟ ربما لا. لأن إلغاء الفيتو دون بديل قد يؤدي إلى انسحاب الدول الكبرى من النظام كله، مما يجعل الأمم المتحدة بلا أسنان. لكن ما يمكن قوله بثقة: الفيتو كما هو عليه اليوم لم يعد يُقنع العالم بأنه أداة للسلام، بل يُنظر إليه غالبًا كأداة للإفلات من المساءلة.
# الخاتمة
في نهاية هذا النقاش، لا يمكننا أن نخرج بنتيجة واحدة واضحة كالفصل في قضية أمام محكمة. لأن القضية هنا ليست فقط قانونية، بل حضارية: هل نقبل أن يستمر عالمٌ تُقرّر فيه مصير ملايين البشر بناءً على رفض دولة واحدة، بينما تُحجب العدالة باسم "الاستقرار"؟ أم أننا نجرؤ على تخيل نظامٍ يعترف بأن القوة لا تولد الشرعية، وأن الحياد الزائف لا يمكن أن يكون أساسًا لسلم عادل؟
حق النقض، كما رأينا، ليس أداة محايدة. لا من حيث التصميم، ولا من حيث التطبيق. فمنذ لحظة صياغته بعد الحرب العالمية الثانية، كان الفيتو يعكس واقعًا سياسيًا معينًا — عالمًا تهيمن عليه خمس قوى، وتُدار فيه القرارات الكبرى خلف أبواب مغلقة. لكن العالم اليوم لم يعد ذلك العالم. هناك عشرات الدول التي تفوق بعض الدول الدائمة العضوية في عدد السكان، أو الاقتصاد، أو التأثير الجيوسياسي، ومع ذلك لا تحظى حتى بصوت واحد في اتخاذ قرارات مصيرية.
الأمثلة التي استعرضناها — سوريا، أوكرانيا، فلسطين — تكشف نمطًا واحدًا: كلما كانت المصالح الاستراتيجية لأحد الأعضاء الدائمين على المحك، أصبح الفيتو درعًا ضد المساءلة، وليس أداة لضبط التوازن. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: الفيتو الذي صُمّم لمنع الحرب، يُستخدم أحيانًا لحماية العدوان. وقانونٌ وضع لضمان الاستقرار، يُوظف لتبرير التدمير.
لكن الخاتمة ليست دعوة للهدم العشوائي. فالسؤال ليس فقط "هل نُلغِي الفيتو؟"، بل "هل نحن مستعدون لتحمل عواقب عالم بلا هيمنة مطلقة؟". لأن إلغاء الفيتو فورًا قد يُفقِد الأمم المتحدة آخر ذرّة من فعاليتها إذا انسحبت القوى الكبرى. لكن الإبقاء عليه بلا إصلاح، يعني تجميد النظام الدولي في زمن لا نعود نعيش فيه.
ربما الحل لا يكمن في زر أحمر يُضغط عليه لإسقاط القرار، بل في إعادة بناء المجلس نفسه: توسيع العضوية الدائمة ليشمل دولًا من أفريقيا، أمريكا اللاتينية، آسيا، وجنوب المحيط الهادئ. أو وضع حدود زمنية أو موضوعية لاستخدام الفيتو، خاصة في حالات الإبادة الجماعية أو الجرائم ضد الإنسانية. أو حتى إنشاء هيئة ثانوية تُفعَّل عند استخدام الفيتو بشكل متكرر، لتُعيد النظر في القرار عبر تعددية أوسع.
في النهاية، الفيتو ليس مجرد حق دبلوماسي. إنه اختبار أخلاقي. يختبر مدى جديتنا في بناء عالم لا يُحكم فيه الضعيف بقرارات القوي. يختبر إن كنا نؤمن فعلًا بالمساواة، أم نرضى لها أن تبقى شعارًا نرفعه في الخطابات، بينما نُسقطها في الغرف المغلقة.
النظام الدولي ليس تقنية جامدة، ولا آلية تُدار بالعجلات. بل هو انعكاس لخياراتنا، قيمنا، وضمائرنا الجماعية. فإذا أردنا عدالة حقيقية، فلنبدأ بتذكّر أن الشرعية لا تُفرض بالفيتو، بل تُبنى بالثقة، والشفافية، والمشاركة.
السؤال الآن ليس: هل يجب إلغاء الفيتو؟
السؤال هو: هل نحن مستعدون لدفع الثمن من أجل عالم أكثر عدالة… حتى لو كلفنا ذلك التخلي عن امتيازات الماضي؟